العقل المقاوم في مرمى الاغتيال: عندما يغتال الكيان الإسرائيلي العلماء في إيران
الكيان الإسرائيلي يدرك جيداً أن اغتيال عالم واحد قد يساوي عندها تدمير مصنع أسلحة كامل، لأنها تعلم أن العقول الحرة هي التي تصنع المصانع والسلاح وتكتب التاريخ. ولهذا، وضعت "العقل المقاوم" في مرمى نيرانها، محاولةً كسر مشروع نهضوي يبني قوته من المختبرات قبل الميادين.
تسنيم/ أمل شبيب
لم يكن اغتيال العلماء في إيران مجرد عمليات أمنية عابرة، بل إعلان صريح عن طبيعة الصراع الحقيقي بين الأمة وكيان الاحتلال: صراع العقول والإرادات. فالعقل المقاوم، حين يتحرر من التبعية ويقترن بالعلم والإيمان، يصبح أخطر من أي سلاح تقليدي. ومن هنا جاء استهداف العلماء الإيرانيين، لأنهم يمثلون القوة الكامنة التي تصنع المستقبل وتضمن للأمة استقلال قرارها.
الكيان الإسرائيلي يدرك جيداً أن اغتيال عالم واحد قد يساوي عندها تدمير مصنع أسلحة كامل، لأنها تعلم أن العقول الحرة هي التي تصنع المصانع والسلاح وتكتب التاريخ. ولهذا، وضعت "العقل المقاوم" في مرمى نيرانها، محاولةً كسر مشروع نهضوي يبني قوته من المختبرات قبل الميادين.
ولو عدنا الى التاريخ، لوجدنا أن استهداف العلماء وإغتيالهم لم يكن حدثاُ عابراً، بل سلوكاً ثابتاً ينتهجه الأعداء حينما يدركون أن الكلمة والعقل والفكر أخطر عليهم من السلاح. فالعالم ليس مجرد باحث أو أكاديمي؛ بل هو حامل رسالة، وصوت للوعي، ومصدر قوة لمجتمعه. ومن هنا نفهم سر الإصرار على اغتيال العلماء في إيران، لا سيما العلماء النوويين، الذين شكّلوا في نظر العدو خطراً استراتيجياً مزدوجاً: عقل يقود، وإيمان يحفّز، وعلم يحرر.
اغتيال العلماء... خوف الكيان الإسرائيلي من العلم الإيران
ولأن العلماء الإيرانيون يمثلون الركيزة الأساسية لمشروع علمي مستقل قادر على كسر احتكار الغرب للتكنولوجيا النووية والتقنيات المتقدمة، لذلك فإن استهدافهم يحمل عدة اهداف:
- إضعاف البنية العلمية الإيرانية ومنع تراكم الخبرات.
- ترهيب الباحثين الشباب ودفعهم للابتعاد عن هذا المجال.
- تعطيل المشروع النووي السلمي عبر ضرب قادته ومهندسيه الرئيسيين.
- إيصال رسالة سياسية بأن امتلاك العلم في دولة مسلمة لن يُسمح له بالاكتمال.
بكلمة أخرى: "إسرائيل" تغتال العلماء لأنها لا تستطيع أن تغتال الفكرة ولا أن توقف المعرفة، فتحاول ضرب حاملها.
إيران تنهض بعلمائها... العقول النابغة ثروة إيران وأمل شعبها
وفي حديثنا عن العلماء في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، هؤلاء العلماء ليسوا مجرد باحثين يعملون في المختبرات، بل هم رموز للسيادة الوطنية وركائز لمستقبل البلاد.
فبالنسبة لإيران، يشكّل العلماء ضمانة للاستقلال التكنولوجي والقدرة على تطوير الطاقة والطب والصناعة من دون الارتهان للغرب. أما بالنسبة للشعب، فهم يمثلون قدوة واعتزازاً قوميّاً، فهم صورة لكرامة الأمة وإصرارها على النهوض رغم العقوبات والتهديدات، ودماء العلماء التي سقطت جعلت الشعب أكثر التفافاً حول مشروعهم، معتبرين أن كل اغتيال هو وسام شرف يثبت صواب الطريق الذي يسلكونه.
لذا، فإن إيران تنظر إلى علمائها على أنهم ثروة لا تُقدّر بثمن، لأنهم يجسدون طموح الأمة في امتلاك العلم، والعيش بحرية بعيدًا عن التبعية والهيمنة.
من المختبر إلى النهضة: كيف صنعت العقول النابغة قوة إيران العلمية
رغم العقوبات والحصار والضغوط الدولية، استطاعت إيران أن تبني قاعدة علمية متينة بفضل نخبة من علمائها النابغين. هؤلاء العلماء لم يكتفوا بنقل المعرفة، بل أسسوا مدارس بحثية جديدة، وابتكروا تقنيات خاصة جعلت إيران تتقدم في مجالات متعددة مثل:
- الطاقة النووية السلمية: عبر تطوير مفاعلات نووية للأبحاث وإنتاج النظائر المشعة المستخدمة في الطب والصناعة.
- التقنيات الدفاعية والفضائية: حيث أصبحت إيران ضمن الدول القليلة القادرة على إطلاق أقمار صناعية وصناعة صواريخ متطورة.
- الطب والهندسة الحيوية: إذ تمكنت من إنتاج أدوية وعلاجات متقدمة رغم الحظر.
هذا التقدم لم يكن ليحدث لولا إصرار العلماء على العمل في ظروف صعبة، وتحويل التهديدات إلى فرص، حتى أصبحت إيران اليوم واحدة من أكثر الدول نمواً في الإنتاج العلمي والبحثي في المنطقة.
لقد أثبت هؤلاء العلماء أن العقول الحرة قادرة على كسر القيود، وأن بناء المستقبل يبدأ من المختبرات لا من ساحات الحرب فقط.
العلماء وصناعة الوعي... الرابط الذي يسعى العدو لقطعه
ولأن العلماء لا يعملون في عزلة، بل يشكّلون دوائر من الطلاب والمحبين والمتأثرين بهم، فتتحول هذه الصحبة إلى مدرسة فكرية متكاملة، تصنع أجيالاً تتشرب معاني العزة والكرامة والاستقلال. وفي هذه النقطة، يخاف العدو من هذه البيئة المتماسكة التي تربط العلم بالقيم، لأنه يعلم أن المجتمع الذي يلتف حول العلماء يصعب اختراقه، ومن هنا كان الاغتيال وسيلة لتفكيك هذه الدائرة، ولمنع ولادة أجيال جديدة تعتنق الوعي والمقاومة.
العلم المستقل... الهاجس الأكبر للكيان الإسرائيلي
العلم سلاح أقوى من كل سلاح... هذه الحقيقة الواضحة التي ترعب كيان الإحتلال، فالأمة التي تملك التكنولوجيا والمعرفة تكون حرة القرار، منيعة أمام الابتزاز، قادرة على بناء قوتها الاقتصادية والعسكرية. لذلك، فإن امتلاك إيران لعلمائها النوويين لم يكن مجرد مشروع علمي، بل كان إعلان تحرر من التبعية.
ولأن الكيان الإسرائيلي والدول الغربية ترى في أي نهضة علمية إسلامية تهديداً وجودياً، فقد سعت لتصفية هذه العقول قبل أن تكتمل مشاريعهم. ومن أبرز ما يثير قلقهم:
- تطوير الطاقة النووية السلمية التي قد تتحول إلى قوة ردع مستقبلية.
- بناء استقلال تكنولوجي يقلل من اعتماد إيران على الخارج.
- امتلاك علماء قادرين على نقل خبراتهم للأجيال القادمة.
حين يصبح السلم مصدر قلق: الملف النووي الإيراني في عيون الاحتلال
رغم أن إيران أكدت مراراً وتكراراً أن برنامجها النووي ذو طابع سلمي، يهدف إلى إنتاج الطاقة وتطوير التطبيقات الطبية والصناعية، إلا أن الكيان الإسرائيلي لم يتوقف عن التعامل معه بوصفه تهديداً وجودياً. والسبب في هذا القلق لا يكمن فقط في احتمال تطوير سلاح نووي، بل في حقيقة أن إيران تملك بنية علمية مستقلة، وشبكة من العلماء القادرين على تطوير المعرفة وإنتاجها من دون إذن أو إشراف من الغرب.
هذا الاستقلال بحد ذاته يثير الذعر، لأنه يضع نموذجاً أمام العالم الإسلامي والعربي: دولة مسلمة تستطيع أن تمتلك التكنولوجيا المتقدمة، وتنافس القوى الكبرى، دون أن تخضع لابتزاز سياسي أو اقتصادي.
الدين والثبات... ما لا تستطيع "إسرائيل" اغتياله
بالإضافة إلى ما تقدّم، يمكن القول هنا ان خوف الكيان الإسرائيلي ليس فقط من العلم، بل من ارتباط العلم بالدين ويصبح قوة مضاعفة. فالعالم المؤمن يجعل من علمه رسالة تخدم الإنسان والمجتمع.
وهذا ما يميز العلماء المستهدفين في إيران: فقد كانوا يجمعون بين التخصص العلمي العميق والالتزام الديني. وهذا التلاقي خطير على العدو، لأنه ينتج نموذجاً قدوة، يجمع بين العقل والإيمان، بين المختبر والرسالة، بين التقنية والعقيدة.
مسلسل اغتيال العقول الحرة
لهذا، امام كل ما تقدّم، فإن الكيان الإسرائيلي لجأ الى تنفيذ موجات من الإغتيالات منذ عام 2010 طالت علماء إيرانيين بارزين، بينهم:
- مسعود علي محمدي (2010) – أستاذ الفيزياء بجامعة طهران.
- مجيد شهرياري (2010) – عالم فيزياء نووية.
- داريوش رضائي نجاد (2011) – عالم كهرباء وفيزياء.
- مصطفى أحمدي روشن (2012) – عالم كيمياء.
- محسن فخري زاده (2020) – أبرز العلماء النوويين، وُصف بأنه "أب البرنامج النووي الإيراني".
هذه الأسماء لم تكن مجرد أفراد، بل رموز لمشروع علمي شامل أراد العدو أن يوقف مسيرته.
اما في الحرب الأخيرة التي شنها كيان الإحتلال على إيران، فقد إنتقل من الاغتيالات السرية إلى الهجمات العسكرية المباشرة، وتم خلالها استهداف علماء نوويين بارزين:
- فريدون عباسي دواني: عالم نووي بارز، كان مُديراً سابقًا للهيئة الإيرانية للطاقة الذرية.
- محمد مهدي طهرانشي: فيزيائي نظري، رئيس سابق لجامعة آزاد الإسلامية، وله أدوار قيادية في المؤسسات الأكاديمية.
- عبد الحميد مينوشر : رئيس قسم الهندسة النووية في جامعة الشهيد بهشتي، متخصص في السلامة الكهروميكانيكية للمفاعلات
- أحمدرضا زلفغاري دارياني : أستاذ ورئيس كلية العلوم النووية في جامعة الشهيد بهشتي، له مشاركة واسعة في تطوير التعليم والبحث النووي
- سيد أمير حسين فقهي : عالم نووي عمل ضمن كادر جامعة الشهيد بهشتي ومؤسسات بحثية متنوعة
- أكبر مطلبي زاده : خبير نووي
- علي باكويي : عالم نووي موهوب في الفيزياء والميكانيكا، يحمل دكتوراه في الفيزياء النووية.
لم تكن هذه الضربة محاولة لتدمير الأشخاص فقط، بل محاولة لإفراغ إيران من العقول التي تحمل مشاريعها المستقبلية، وهو ما لا يستطيع كيان الإحتلال تحقيقه، لأن العقول الإيرانية امتداد لثورتها وتستمر من جيل إلى جيل.
اغتيال العقول... الرسائل الخفية والانعكاسات السياسية
إن اغتيال العلماء ليس مجرد حدث أمني عابر، بل هو فعل سياسي وفكري عميق يحمل دلالات أبعد من الرصاصة والانفجار. فالعدو حين يستهدف العقول، فهو يعلن اعترافاً ضمنياً بقوة هذه النخب، ويسعى في الوقت ذاته إلى زرع الخوف وإعاقة مسيرة الأمة نحو التقدّم. ومن هنا، يمكن قراءة هذا الفعل في عدة مستويات أساسية:
- اغتيال العلماء اعتراف بالقوة: العدو لا يطارد الضعفاء، بل يهاجم الأقوياء الذين يحملون مستقبل الأمة.
- رسالة ترهيب: الهدف هو إخافة الجيل الجديد من دخول ميادين حساسة كالفيزياء النووية.
- تأجيل لا إنهاء: رغم الخسائر الكبيرة، أثبتت التجارب أن مثل هذه الضربات لا توقف المشروع العلمي، لأن دماء العلماء تصبح وقوداً لاستمرار الطريق.
- معركة وعي بقدر ما هي عسكرية: فالأمة التي تفهم أن اغتيال العلماء يعني اغتيال المستقبل، ستبذل جهداً مضاعفاً لحماية عقولها وتقدير علمائها.
إيران بين اغتيال العلماء وصناعة جيل جديد
إغتيال العلماء في إيران يكشف بوضوح أن العدو لا يخاف من الصواريخ وحدها، بل من العقل المبدع المقترن بالإيمان، فهو يخشى الوعي الإجتماعي والجمعي، والعلم الذي يحرر من التبعية، والدين الذي يمنح المعنى والهوية، إضافة إلى مشروع نووي سلمي يؤكد قدرة الأمة على امتلاك التكنولوجيا من دون إذن أو وصاية.
لكن التاريخ يعلّمنا أن دماء العلماء لا تُطفئ النور، بل تزيده توهجاً، وما جرى في إيران ليس النهاية، بل بداية جيل جديد سيتخذ من هؤلاء الشهداء منارات يهتدي بها في طريق النهضة والتحرر.
/إنتهى/